المجلة

الأحق بالعلاج عند التزاحم.. رؤية فقهية أخلاقية

يركز كثير من النقاشات في حقليْ الأخلاقيات التطبيقية والفقه على الأسئلة الصغرى المرتبطة بحالات جزئية محددة، ولكن يبقى ربط هذه الجزئيات بالإطار النظري ثانويًّا وربما غائبًا. وأعني بالإطار النظري هنا المبادئ والأصول الكلية التي تَحكم النظر في هذه القضية الجزئية أو تلك.

وللتقريب أسمي ذلك بلغة المصورين (zoom in) لتفحّص جزئيات الحالة المدروسة والتعقيدات التي تحيط بها، و(zoom out) لربط الجزئيات بإطار نظري يساعدنا على عدم الانحباس في الحالة المدروسة فقط، وتسكين هذه الجزئية ضمن إطار المقاصد المتوخى تحقيقها.

يساعدنا النظر الكلي أيضًا على ضبط مسار التعليلات الجزئية حتى تستقيم عمليات التقويم المستمرة؛ بحيث لا نقع في تناقضات بأن نحكم بأحكام مختلفة على جزئيات متشابهة ترتد إلى أصل واحد، وهو ما نعبر عنه بالاتساق. أي أن الهدف هنا الانتقال من الجزئي إلى الكلي وبالعكس.

في هذا المقال؛ سأعود مجددًا إلى ضرورة فَرْز المرضى الذين تعارضت حقوقهم في الحصول على العناية المركّزة؛ لأجل نقص المعدات اللازمة، وهي مسألة عويصة كما أوضحت في مقال الأسبوع الماضي، الذي خصصته لنقد بعض الفتاوى الصادرة حول هذا الشأن.

من ناحية النظر الكلي؛ فإن المسألة ترجع إلى عدة أصول، منها: حفظ النفوس، والعدل والمساواة بين النفوس في وجوب الصيانة، ووجوب الإسعاف على من قدَر عليه وصادف محتاجًا إليه. ولما كانت هذه الأصول لا يمكن تحقيقها في حالة التعارض؛ فقد وجب إجراء موازنات.

ولكن الإشكال يتمحور حول المعايير التي تحكم هذه الموازنات، وكيفية تقدير الأوزان، والحجج والتعليلات التي يجب تقديمها لتسويغ هذه التفضيلات؛ بما لا يُخلّ بالأصول التي ذكرتها سابقًا، وهذا مسلك يليق بما أشتغل عليه من “التعليل الأخلاقي”.

فمن سلك مسلك تقديم المريض الأسبق لجأ إلى الخيار السهل وأعفى نفسه من كل التعقيدات السابقة؛ وظنّ أن معيار الأسبقية -الذي اعتمده الفقهاء في مسائل أخرى- يَصلح للتطبيق هنا في مسألتنا؛ رغم أننا لا نجد مثل هذا في كتب الفقه، وتطبيقات الأسبقية لا تتصل بأصل صيانة النفوس؛ بل تتصل بالمباحات والمرافق العامة. فهل يصح نقل معيار الأسبقية إلى مسائل حفظ النفوس؟ وهل يصح اعتبار الأسبقية معيارًا مطلقًا في الترجيح؟

سبق لي في مقالي السابق أن ميزت -بإشارة موجزة- بين نوعين من الأسبقية: الأول؛ أسبقية معيارية تنطوي على قيمة، كالاستباق في الخيرات مما يتأسس على فعلٍ وجهد من المكلف، ويتصل بالتقويمات التي تتصل بوزن الأعمال وفضلها وموازين الحسنات والسيئات التي انشغل بها كثير من العلماء.

“من ناحية النظر الكلي؛ فإن المسألة ترجع إلى عدة أصول، منها: حفظ النفوس، والعدل والمساواة بين النفوس في وجوب الصيانة، ووجوب الإسعاف على من قدَر عليه وصادف محتاجًا إليه. ولما كانت هذه الأصول لا يمكن تحقيقها في حالة التعارض؛ فقد وجب إجراء موازنات. ولكن الإشكال يتمحور حول المعايير التي تحكم هذه الموازنات، وكيفية تقدير الأوزان، والحجج والتعليلات التي يجب تقديمها لتسويغ هذه التفضيلات”

والثاني؛ أسبقية إجرائية لا تنطوي على قيمة، لأنها مسألة تنظيمية قدَرية لا تتمحور حول فعل المكلف نفسه. ولكن نظرًا لأن معيار الأسبقية تكرر استعماله من بعض المفتين في هذه المسألة تحديدًا؛ فإن إبطال كونه المعيارَ الأول سيحتاج إلى مزيد توضيح هنا، بما يساعدنا على رعاية أصل حفظ النفوس؛ لأنه مجرد وسيلة إجرائية لا وسيلة إلى المقصد نفسه.

السَّبْق الإجرائي -كما في حالة مريض كورونا- مسألة قدَرية ليس للمريض فيها جهد أو تحكّم؛ فهو لا يحدد توقيت مرضه، كما أن السبق مرتهن لعوامل أخرى كتوفر الإمكانات ووسائل النقل والمستشفيات، وسهولة الحركة وسرعة استجابة قسم الطوارئ للحالة إلى غير ذلك؛ فكيف تُجعل معيار التفاضل؟

بل إن هذه الوسيلة قد تؤدي إلى الظلم وقد لا تعود على المقصد الأصلي بالحفظ، وحين نرتب الحجج فإن المسائل القدرية تقع في أدنى سلم المرجِّحات ولا يتم اللجوء إليها إلا عند تعذر الحجج المعقولة التي تنطوي على معنى أو قيمة، لا أسباب الترجيح الوضعية كالسبق الإجرائي.

وحين نقول: إن جميع النفوس متساوية في وجوب الحفظ والصيانة -وهذا محل اتفاق- فإن ترتيب أفراد النوع الإنساني بالنسبة إلى حقيقة النوع نفسه غيرُ ممكن، ومن ثم وجب البحث عن سبب يُميز بعضهم على بعض من الخصائص والأوصاف الخارجة عن النوع (أي كونه نفسًا محتَرمة)، وهذه الخَصِيصة لا بد أن ترجع إلى معنى يؤكد أصل القيمة التي نسعى لتحقيقها وهي حفظ النفوس.

ويجب أن يكون سبب التمييز عادلاً بحيث لا يُخلّ بقيمة المساواة، وأخلاقيًّا بحيث لا يُخلّ بحفظ النفس وهي المقصود الأصلي، وألا يؤدي إلى الظلم أو النزاع أو التدافع أو التشاحن أيضًا، ومطلق الأسبقية لا يحقق ذلك؛ لأنها خارجة عن اختيار المريض ومرتهنة للعوامل الظرفية السابقة، والغنى والفقر مؤثران هنا.

ثم إن الذاتي (ما يتعلق بالنفوس ذاتها) أولى في الاعتبار من المسائل الإجرائية المتعلقة بزمن الوصول، فكيف نترك اعتبار أحوال المريض نفسه (شدة الحاجة، رجاء البُرء…) التي تتصل بالمقصد نفسه، ثم نتعلق بمسألة إجرائية عارية عن القيمة وليس للمريض فيها مدخلٌ؟

نعم جعل الفقهاء السابقون السبق أحد أسباب الترجيح، ولكن هذا -كما نص بعضهم بوضوح- ليس مطلقًا ولا له الأولوية بين المرجِّحات؛ فأسباب الترجيح متعددة، ويتقدم عليه الترجيح بالقوة وشدة الحاجة، وغير ذلك مما هو أليق في الحديث عن صيانة النفوس، وليس عن المباحات والمرافق العامة.

فاللجوء إلى الترجيح بالسبق لا يكون إلا عند التساوي “من كل وجه”، ومن ثم لا يجوز إطلاق كون السبق معيارًا للفرز بين المرضى الذين يحتاجون إلى العناية المركزة هنا؛ بحجة أنهم تساووا في “مطلق” المرض و”عموم” الحاجة، فهذا أمرٌ يرجع إلى حُسن تصور المسألة طبيًّا من جهة، وإلى النظر الفقهي والأخلاقي المحتكم باستمرار إلى الأصول التي أشرنا إليها من قبل.

والواقع أنه قد تكون بين المرضى فروقٌ ذات تعقيدات طبية مختلفة، قد تعود على الأصل الذي نسعى إلى حفظه بالإخلال، ومن ثم فالترجيح لا يتم بمعزل عن الأصل أو القيمة التي نسعى لتحقيقها، واستكناه التعقيدات التي تحيط بها، ووزنها بموازين مختلفة.

فمن يُرجى شفاؤه يقدَّم على من لا يُرجى شفاؤه، وفيمن يرجى شفاؤهم نُفاضل بحسب درجة توقع الشفاء، هل هي ضعيفة أو قوية؟ وهل الفرق بين المريضين معتبر وملحوظ أم إنه فرقٌ طفيف لا يؤثر طبيًّا؟ ونحن هنا -وإن كنا نفاضل بين المرضى وفق معيار قيمي محدد- ننظر إلى أصل الاستحياء وصيانة الروح لا إلى كفاءة الحياة (quality of life)، فمرجِّح قوة حصول المقصد مقدَّمٌ؛ فما كان أقوى كان أرجح في الاستحقاق والتقديم.

وحين تعلق فقهاؤنا بالأسبقية في العديد من حالات التعارض، إنما تعلقوا بها لأمرين:
الأول: وجود الحيازة؛ بحيث لو سبق الرجل إلى مباحات كان أحقَّ بها، ولكن هذه المباحات ذات طبيعة خاصة، وهي أن مِلكيّتها مشاع (كالماء أو مقعد في حديقة أو مكان في المسجد أو في السوق خارج المحلات)، ومن ثم فهي مباحات ولا ملكية فيها، وتتحقق فيها الحيازة، فإن أُزيح عنها السابقُ إليها وقع عليه حيف وانتقاصٌ وكسرٌ لخاطره، إلا إن تنازل أو أذن بذلك.

أما في حالتنا هنا؛ فمجرد سَبْق المريض إلى المستشفى لا يعني حيازته للسرير وجهاز التنفس، إلا إذا وقع عليه الاختيار بالفعل وأُبلِغ بذلك. ثم إذا وصل مريضان: أحدهما لديه تأمين صحي والآخر ليس لديه تأمين صحي فلا قيمة للسبق هنا إن وقع التعارض؛ لأننا لا نتحدث عن السبق إلى “مباحات” هنا، بل صارت ثمة حقوق والتزامات أخرى إضافية.

الثاني: أن اعتماد الأسبقية في بعض المسائل إنما جرى تاريخيًّا؛ لأنها كانت وسيلة منضبطة يمكن الوقوف عليها بيسر وسهولة بحيث تنقطع فيها الخصومات ولا يجري فيها النزاع، وهو المقصود من أسباب الترجيح أصلاً؛ ومن هنا اعتمدوا القرعة أيضًا تطييبًا للنفوس ودفعًا للانحيازات الشخصية وغيرها، تعلقًا بمسائل قدَرية لا تَدَخُّل فيها لاختيار البشر.

“اللجوء إلى الترجيح بالسبق لا يكون إلا عند التساوي “من كل وجه”، ومن ثم لا يجوز إطلاق كون السبق معيارًا للفرز بين المرضى الذين يحتاجون إلى العناية المركزة هنا؛ بحجة أنهم تساووا في “مطلق” المرض و”عموم” الحاجة، فهذا أمرٌ يرجع إلى حُسن تصور المسألة طبيًّا من جهة، وإلى النظر الفقهي والأخلاقي المحتكم باستمرار إلى الأصول التي أشرنا إليها من قبل”

وقد سلك بعض أفاضل العلماء مسلكًا آخر فنظر من زاوية الطبيب المستقبِل للمريض، وقال إنه لو وقعت عين الطبيب عليه صار مخاطَبًا بإنقاذه بمجرد وقوع نظره عليه.

ولكننا نقول هنا: إن مناط التكليف لا يقتصر على مجرد رؤية المريض الأسبق هنا، بل يتعلق بالدولة صاحبة الولاية التي تصوغ سياسات الطوارئ في مثل هذه الحالة من جهة، وبالمستشفى الذي يضع اللوائح المحددة لمعايير الترجيح من جهة ثانية، وبالشخص الذي يتولى فرز المرضى حتى يصلوا إلى غرفة العناية المركزة من جهة ثالثة. ثم إن تقويم حالات المرضى وما تتطلبه كل حالة يقتضي النظر والموازنة بين ملفاتهم، وليس مجرد وقوع نظر الطبيب على المريض.

وخطاب الشارع متعلقٌ بكلّ محتاج في الجملة، وهو من مقتضيات واجب المهنة بالإضافة إلى الواجب التكليفي، ثم بعد ذلك يتعين عليه الاختيار -بحسب استطاعته وتحقيقه لمناط الحكم الشرعي في حقه في ظل التعقيدات التي شرحتها هنا- وفق معايير هي محل نقاشنا، فلو دخل مرضى معًا ولا متسع لهم جميعًا رجعنا إلى السؤال: كيف نرجح؟

فلو وقع نظره على مريض اتضح أنه لا يُرجى بُرؤه ثم جاء من يُرجى بُرؤه انتقل خطاب الشرع في حقه إلى المريض الثاني، ولو وقع نظره على مجموعة فإنه يتخير بينهم بحسب استطاعته بناء على معايير أيضًا.

ولو كنا نتحدث عن دولة يملك مواطنوها حق التأمين الصحي؛ فإن لجميعهم حقوقًا ثابتة وقد تزاحمت، فاجتمع لديهم حقان: حق بموجب عقد التأمين، وحق ديني وهو واجب الإسعاف، ولو فرضنا أن التأمين لا يشمل الجوائح والأوبئة رجعنا إلى مسؤولية الدولة عن الصحة العامة. فالنقاش كله إنما هو حول معيار الترجيح؛ إذ لا يجوز الترجيح إلا بمرجِّح يوجب التقديم.

وفيما يخص الحالة التطبيقية التي بين أيدينا؛ فهي تدور على تحديد الأوصاف المعتبرة والموازنة بينها ثم ترتيبها، ويمكن أن نتحدث عن مستويين:

المستوى الأول: قبل وضع جهاز التنفس والدخول إلى غرفة العناية المركزة، وهنا جملة معايير:
1- إن كان للمريض إرادة حرةٌ عُرفت مسبقًا أو صرح بها فيجب أن تقدَّم، فإن اختار أنه إن وقع عليه الاختيار فإنه سيُؤْثر غيره بالجهاز؛ فإن هذا مستحبٌّ عند الشافعية ولو أدى إلى موته، بل قال بعض أئمة الشافعية: إن هذا مسلك الصالحين، بل نقل الإمام العزُّ بن عبد السلام الاتفاقَ على هذا.

ومن العجيب أن بعض المفتين منع هذا وجزم بأنه معصية، بحجة أنه لا يملك نفسه! والمعروف فقهًا أن الإيثار في القُربات والطاعات لا يجوز؛ لأنها حق الله، ولكن الإيثار إنما يكون في الأنفس؛ وتقديم غيره عليه هنا هو حق النفس ويملك التصرف فيه لتحقيق قيمة أخرى.

ومن هنا أباح القرآن للمكرَه التلفظ بالكفر؛ لحفظ النفس، ولكن الفقهاء أباحوا له أيضًا عدم التلفظ وإيثار الموت لحفظ الدين، أي أننا أوكلنا إلى المكلف حق الاختيار والتصرف في نفسه واختيار إحدى قيمتين: الحياة أو الدين.

2- ثم ننظر فيما إن كان المريض ممن تُرجى حياته أو لا، فإن جزم الأطباء أو غلب على ظنهم أنه لا يُرجى حياته، فإنه يؤخَّر ويقدَّم من تُرجى حياته، ومردّ هذا إلى درجات العلم (بمعايير الطب)؛ فهي الوسائل المقررة لحفظ المقصد الأعظم وهو حفظ النفوس.

3- فإن تساووا في رجاء الحياة يُقدم الأشدُّ حاجة والأكثر إلحاحًا للتدخل العلاجي؛ فخطاب الشارع هنا يناط بزمان التدخل الطبي الواجب، لا بزمان وصول المريض إلى المستشفى. ويمكن ضبط شدة الحاجة بكون “جنس المرض” قد يؤدي إلى الهلاك، أو بوجود أمراض مصاحبة تزيد من خطورة الحالة، أو وجود هشاشة بسبب التقدم في السن، وينضاف هنا إلى مقصد الاستحياء مقصد تخفيف الآلام ومنع تفاقم الوضع الصحي.

4- فإن تساووا جميعًا في درجة الحاجة فإنّ الفقهاء عادة يلجؤون إلى تقديم أهل الاختصاص، ويدخل فيهم العاملون في الفريق الطبي ممن أصيبوا أثناء معالجة الناس، أو ممن تشتد الحاجة إليهم في حالة الطوارئ؛ لاستحياء مزيد من الحيوات إن غلب على الظن إمكان ذلك.

“هذه معايير إجمالية؛ بُنيت على أساس الإطار النظري السابق، وعلى درجات القطع والظن، وأسباب الترجيح وترتيبها، ويبقى ثمَّ مجال للاجتهاد في تطبيق هذه المعايير على تعقيدات حالات الطوارئ، وخبرة الأطباء واللوائح الأخلاقية والطبية الناظمة لعملهم. وهي تتوخى تحقيق جملة من القواعد الفقهية والأخلاقية كتحصيل أعظم المصالح، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، ودفع الضرر الأشد بالضرر الأخف”

المستوى الثاني: بعد وضع جهاز التنفس والدخول إلى غرفة العناية المركزة، وهنا لا يصح إطلاق القول بأنه لا يجوز نزع الجهاز عن المريض؛ لأننا سنعود إلى معايير القطع والظن مرة أخرى، وإلى معيار حفظ النفس، وإلى معيار ثالث هنا وهو أن الوسيلة (جهاز التنفس أو سرير العناية المركزة) تنطوي على قيمة؛ لأنها متعينة هنا لاستحياء مزيد من النفوس، فلا يمكن التفريط فيها.

ومن ثَمّ فإنه يمكن نزع الجهاز في ثلاث حالات: (1) من “أشرف على الموت” بتعبير الفقهاء السابقين، أو ما يسميه الأطباء اليوم مرحلة الدخول الفعلي في الموت. (2) الميؤوس من استحيائه. (3) من حياته لا تستغني عن الجهاز لأن حياته قائمة بالجهاز لا بذاته، خصوصًا أننا نرجو هنا استحياء من هو أحسن حالاً منه وأرجى وفاءً بتحقيق مقصد حفظ النفوس.

هذه معايير إجمالية؛ بُنيت على أساس الإطار النظري السابق، وعلى درجات القطع والظن، وأسباب الترجيح وترتيبها، ويبقى ثمَّ مجال للاجتهاد في تطبيق هذه المعايير على تعقيدات حالات الطوارئ، وخبرة الأطباء واللوائح الأخلاقية والطبية الناظمة لعملهم.

وهي تتوخى تحقيق جملة من القواعد الفقهية والأخلاقية كتحصيل أعظم المصالح، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، ودفع الضرر الأشد بالضرر الأخف، والنظر في العوارض الطارئة على الحكم الأصلي التي تنقله إلى حكم آخر، وأن العبرة بغلبة الظنون، واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وغيرها.

ولكن يجب على الدولة -في هذه الأثناء- أن تعمل على إيجاد القدر اللازم لاستيعاب استحياء جميع النفوس، ووضع الخطط لذلك، وتقييم الوضع يومًا بيوم؛ كما تقتضيه حالة الطوارئ التي هي حالة متحركة. وهذه المفاضلة إنما تمت بحكم الضرورة وهي تقدر بقدرها فقط، ويجب السعي لرفعها في أسرع وقت. وقد أجملتُ الموضوع هنا قدر الإمكان لشدة الحاجة إليه؛ ولكنني سأفصّل فيه وفي تعليلاته وأسسه النظرية وتطبيقاته في دراسة علمية تنشر لاحقًا بمشيئة الله. والله أعلم.

معتز الخطيب

أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة

المصدر : الجزيرة

عن الكاتب

الوسوم

اترك رد

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: