المجلة

الاتجار بالأشخاص والاستغلال الجنسي والاقتصادي… كابوس يطارد الأطفال في تونس

لم يعد الاتجار بالبشر في تونس مقتصرا على حالات محدودة وضيقة النطاق، فقائمة ضحايا هذه الظاهرة تطول سنويا مخلّفة انعكاسات نفسية واجتماعية وخيمة خاصة في صفوف الأطفال، الفئة التي باتت اليوم الأكثر استهدافا.

يعد التقرير السنوي الأخير الذي نشرته الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص في تونس لسنة 2020، يعد خير دليل على خطورة انتشار الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي والاقتصادي للأطفال والنساء وبيع الرضع.

التقرير الذي نُشر أمس الخميس، كشف عن تسجيل 907 حالات اتجار بالأشخاص على المستوى الوطني خلال السنة المنقضية أكثر من نصفهم أطفال (452 حالة). ورغم أن هذا العدد تقلص مقارنة بسنة 2019 (1313 حالة)، إلا أن الملاحظ هو ارتفاع معدلات الاستغلال الجنسي للأطفال بثلاثة مرات بعد أن قفز من 103 حالات في 2019 إلى 289 حالة في 2020.

أكثر من نصف الضحايا أطفال

قالت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، روضة العبيدي، في تصريح لـ “سبوتنيك”، إن الأطفال يمثلون نسبة 52 بالمائة من مجموع ضحايا الاتجار بالبشر. ولفتت إلى أن التقرير أظهر لأول مرة منذ 4 سنوات انخراط أطفال تقل أعمارهم عن 15 سنة في هذه الجرائم.

وأوضحت العبيدي أن الانخفاض الطفيف في عدد ضحايا الاتجار بالأشخاص لا يعكس تراجعا حقيقيا لهذه الظاهرة، مضيفة أن الوضع الوبائي والاقتصادي وإغلاق الحدود وفرض الحجر الصحي الإجباري لمدة أشهر هو ما يفسر هذا التراجع النسبي.

وأشارت في المقابل إلى أن “هذه العوامل جعلت منفذي عمليات الاتجار يغيرون من طريقة عملهم ويعتمدون أساليب أكثر دقة ومواكبة للمتغيرات من خلال اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الحديثة في استقطاب ضحاياهم”.

وبيّنت أن التقرير كشف عن مسألة خطيرة، هي ارتفاع معدلات بيع الأطفال الرضع التي بلغت أكثر من 62 بالمائة في 2020 مقارنة بالسنة التي سبقتها.

وحذرت العبيدي من أن المؤشرات تظهر تفاقما أكبر لهذه الظاهرة خلال العام الجاري، حيث تم تسجيل العشرات من حالات بيع الرضع عن طريق شبكة الانترنت والمواقع الافتراضية.

وقالت المتحدثة إن الاستغلال الجنسي للأطفال تنامى هو الآخر بنسبة تفوق الـ100 بالمائة خلال سنة 2020 خاصة خلال فترة الحجر الصحي، وكذلك الحال بالنسبة للاستغلال الاقتصادي لهذه الفئة.

وأظهر التقرير ارتفاع التشغيل القسري للأطفال بنسبة 40 % واستغلالهم في أعمال هامشية وفي التسول بـ 22.5 %.

ولفتت العبيدي إلى أن مكاتب التوظيف الخاصة بالخارج هي عنصر أساسي في عمليات الاتجار بالأشخاص، حيث تستقطب هذه المكاتب التي وصفتها بالعشوائية ضحاياها من خلال إيهامهم بعقود تشغيل، ثم يتم استغلالهم إما في شبكات الدعارة أو في أنشطة إرهابية أو في أعمال منهكة.

وضعية رثة للأطفال

وفي تصريح لـ “سبوتنيك”، قال رئيس الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل، معز الشريف، إن الأرقام التي قدمتها الهيئة لا تعكس العدد الحقيقي لضحايا الاتجار بالأشخاص في تونس الذي يفوق بكثير ما هو موثق في التقرير السنوي.

وبيّن أن هذا التقرير استند إلى الإحصاءات التي تحصلت عليها الهيئة من بعض السلطات الرسمية، في حين أن رئيسة الهيئة أقرت بنفسها بوجود صعوبات في الوصول إلى بعض المعطيات من بقية الجهات المتدخلة في الموضوع.

وتابع “إذا تناولنا مثلا الأطفال الذين يتم استغلالهم في التسول، التقرير أشار إلى أن عددهم بلغ 40 حالة، في حين أن نظرة ميدانية على شوارع العاصمة فقط ستكشف أن عددهم أكثر من ذلك بكثير”.

ولفت الشريف إلى أن المتاجرة بالأطفال أصبحت ممارسة شبه اعتيادية في تونس بسبب الوضعية الرثة للأطفال وغياب ثقافة حقوق الطفل سواء لدى العائلات أو حتى لدى المدافعين عن حقوق الطفل، وهو ما جعل سلوكيات العائلات تنحرف إلى بيع أطفالهم أو السماح باستغلالهم في الأعمال المنزلية أو الفلاحية وقطعهم عن التعليم، وفقا لقوله.

ويرى الشريف أن  التضارب في القوانين والتشريعات أسهم في تنامي الاتجار بالأشخاص واستغلال الأطفال، موضحا “قانون الاتجار بالأشخاص يصنّف مثلا أن استغلال الفتيات القاصرات كمعينات منزليات متاجرة بالأشخاص ويسلط عقوبات قاسية على مرتكبيه، بينما يعتبره  قانون العنف الشامل ضد المرأة استغلالا اقتصاديا ويسلط على مرتكبيه عقوبات مخففة.

وقال إن هذا التضارب جعل القضاة في حالة اختيار بين القوانين، مضيفا “منذ إصدار القانون المتعلق بمكافحة الاتجار بالأشخاص لم يصدر إلى اليوم أي حكم قضائي استنادا لهذا القانون”.

ضعف في التدخل الرسمي

بدوره، يرى الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، منذر الشارني، أن التقرير السنوي للاتجار بالأشخاص كشف عن وجود العديد من الهنات والعوائق التي حالت دون محاصرة هذه الظاهرة.

وأوضح في حديثه لـ “سبوتنيك”، أن الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص تعمل دون إمكانيات مادية أو بشرية، إذ تعتمد أساسا على التمويلات والبرامج الدولية. وقال إن الدولة التونسية مطالبة بدعم الهيئة حتى تتمكن من القيام بعملها بالشكل المطلوب.

وأضاف أن مخرجات التقرير أظهرت تقاعسا كبيرا في التعاطي الرسمي مع ظاهرة الهجرة السرية وحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي والجنسي. وتابع “شبكات المتاجرة بالأطفال واستغلالهم في جني المال عن طريق التسول تعمل على مرأى ومسمع من الجميع، ومع ذلك لا تحرك الدولة ساكنا إذا لزم الأمر”.

ودعا الشارني السلطات التونسية إلى تشديد الرقابة على مكاتب التشغيل الخاصة بالخارج التي تعمل خارج الأطر القانونية والتي أثبت التقرير علاقتها المباشرة في جرائم الاتجار بالأشخاص واستغلال الفتيات في شبكات الدعارة، مشددا على ضرورة التعامل معهن على أنهن ضحايا وليس متهمات.

وقال الحقوقي “على أجهزة الدولة أن تطور أساليبها في التعامل مع هذه الظاهرة، خاصة وأن المتورطين فيها أصبحوا يعتمدون على وسائل متطورة وحديثة”، داعيا إلى مراقبة شبكات التواصل الافتراضية التي وسيلة أساسية في استقطاب الضحايا.

ونبه على ضرورة تفعيل الفرق المعنية بمكافحة العنف ضد الأطفال والنساء، وتدريب أعوان الأمن على التعامل مع مثل هذه الجرائم وعدم الاكتفاء بمعاينة الاشعارات التي يتم تبليغها للجهات الرسمية والتي لا تأخذ أحيانا بالجدية المطلوبة.

المصدر : سبوتنيك https://sptnkne.ws/H3ST

الوسوم

اترك رد

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: