أبحاث وتقاريرأدبالتعليمالمواطن الصحفي

إنهم يتجهون صوب القمر

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

دعني أخبرك شيئا يسيرا عن الذكاء الاصطناعي  Artificial Intelligence في ظل حضور مجتمعات عربية تعاني أساسا من فقر مهارات وعمليات وآليات الذكاء الطبيعي الفطري ومناهج بعيدة تمام البعد عن مناطق التفكير العلمي ، بل منظومات تعليمية عربية فقيرة جدا في دراساتها المستقبلية ، فكافة الكتابات التي تناولت قصة الذكاء الاصطناعي نقلت حرفيا ما سطرته الموسوعة الحرة ويكيبيديا عن المفهوم من حيث كونه سلوكا وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. من أهم هذه الخاصيات القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة. إلا أنَّ هذا المصطلح جدلي نظراً لعدم توفر تعريف محدد للذكاء. ونحمد الله على أن ويكيبيديا لم تحدد مفهوما واضحا للذكاء ،  رغم آلاف الرسائل والطروحات العلمية المتناثرة بمكتباتنا العربية التي قامت بتقنين وتقعيد المصطلح بل وأصبحنا في الوطن العربي الكبير والصغير نصدر مواضعات متعددة للذكاء .  

واستنادا إلى ما هو مسطور بالموسوعة الحرة العالمية فإن هناك ثمة سجال وجدل وجدال حول طبيعة المفهوم الذي يبدو مضطربا ،فقد تأسس هذا الفرع البشري الصناعي على فرضية مفادها وكنهها أن مَلَكة الذكاء يمكن وصفها بدقة بدرجة تمكن الآلة المصنعة من محاكاتها. وما لبث أن ظهر هذا المفهوم أو بالأحرى بزوغ مجال الذكاء الاصطناعي حتى أثار مساحات واسعة من الجدال والنقاش  الفلسفي  حول طبيعة عمل  العقل البشري وحدود المناهج العلمية التي يعمل على ضوئها بكفاءة ، وفي الوطن العربي أقيمت مئات الندوات وعشرات المؤتمرات حول جدلية المفهوم وتطبيقاته ومناطق استخدامه دون أن نرصد ملمحا واحدا للحراك العلمي في تطبيقه إما بحجة نقص الإمكانات أو بسبب إحجام المجتمع نفسه عن التفكير في المستقبل .  

ووسط هذا الجدل المحمود زعمًا من دول الغرب عن طبيعة  الذكاء وأنواعه التي يمتلكها الإنسان وصولا إلى ما عُرف بنظرية الذكاءات المتعددة التي شهدت الجامعات العربية آلاف الرسائل عنها ، وكيفية محاكاتها بالآلة. تشكل ثورة الذكاء الاصطناعي منطلقا قويا لأفكار وتطلعات ورؤى شديدة التفاؤل من أجل تحقيق أعلى وأكبر قدر من السعادة والرفاهية للمواطن من ناحية ، والقدرة والقوة وفرض الهيمنة للحكومات من ناحية أخرى . 

وجدير بالذكر أن ننقل نصا ما أشار إليه موقع أوراكل ORACLE بشأن الذكاء الاصطناعي ” بأبسط العبارات، يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي (AI) إلى الأنظمة أو الأجهزة التي تحاكي الذكاء البشري لأداء المهام والتي يمكنها أن تحسن من نفسها استنادًا إلى المعلومات التي تجمعها. يتجلى الذكاء الاصطناعي في عدد من الأشكال. بعض هذه الأمثلة: تستخدم روبوتات المحادثة الذكاء الاصطناعي لفهم مشكلات العملاء بشكل أسرع وتقديم إجابات أكثر كفاءة ، كما أن القائمين على الذكاء الاصطناعي يستخدمونه لتحليل المعلومات الهامة من مجموعة كبيرة من البيانات النصية لتحسين الجدولة، و يمكن لمحركات التوصية تقديم توصيات مؤتمتة للبرامج التلفزيونية استنادًا إلى عادات المشاهدة للمستخدمين”. 

فضلا عن التقرير الذي قدره   Deloitte من حيث  يتم إنفاق 57.6 مليار دولار أمريكي على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بحلول عام 2021، أي خمسة أضعاف ما عليه الأمر في عام 2017 ، كما يشير معهد McKinsey Global إلى إمكانية إنفاق من 3.5 إلى 5.8 تريليونات دولار أمريكي في القيمة التجارية المحتملة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي عبر 19 مجالاً. 

وفي ظل هذا الاستباق المحموم من الغرب المغرورق في معامله ومؤسساته الأكاديمية بغير كلل أو ملل ، نذهب نحن ـ العرب ـ يوميا نتلمس هذا المجال الغامض ، متربصين بأية حلول جاهزة وناجزة  للذكاء الاصطناعي يخدم مجتمعاتنا العربية الضاربة في الحضارة منذ القدم ، وبين سباق علمي غربي محموم وتربص عربي وانتظار مرتقب ، تدهشنا الصين وسط جائحة كورونا العالمية ،  والاتهامات المستدامة الموجهة إليها مرة بتصنيع واختلاق الفيروس ، ومرة أخرى بمحاولات القرصنة اليومية على نتائج إنتاج لقاح كوفيد ـ 19 عن طريق أباطرة القرنصة ، لكن هذه المرة الثالثة عبر إطلاق  صاروخ “لونج مارش 5” في مهمة علمية استباقية مستقبلية إلى القمر من أجل جلب عينة قمرية ، وجمع وإعادة عينات تربة وصخور من على سطح القمر إلى الأرض، وفقاً لوكالة الأنباء الصينية، شينخوا ، وهي أول محاولة من هذا النوع لدولة في أكثر من أربعة عقود من الزمان. وانطلق هذا الصاروخ الذي يحمل مركبة الفضاء الروبوتية “شانجي 5” من مركز وينشانج للإطلاق الفضائي في إقليم هاينان بجنوب الصين في وقت مبكر صباح الثلاثاء الماضي. 

ويتساءل المواطن العربي بالضرورة وسط همومه ومظانه العلمية عن فائدة هذا المشروع الصيني رغم ما يعانيه العالم والصين أيضا من تفاقم الموجة الثانية لكورونا ، والإجابة تبدو سهلة بسيطة مثل الإجابة عن أنواع الجمل العربية ؛ اسمية وفعلية ، الإجابة مفادها جمع عينات من الغبار والصخور القمرية، خصوصا عبر سبر السطح إلى عمق مترين، ثم إرسالها إلى الأرض ، وقد تساعد هذه العينات العلماء في تحسين فهم تاريخ القمر. وتنوي الصين تشكيل محطة فضائية كبيرة بحلول العام 2022، ما يسمح لها نظريا بإبقاء رواد فضاء بشكل متواصل في الفضاء.  كما يأمل العملاق الآسيوي بخبرائه وعلمائه أن يتمكن المسبار الصيني تشانغ 5 من التوصل إلى فهم أوضح لكيفية بقاء القمر في حالة نشاط بركاني ومتى تبدد مجاله المغناطيسي، وهي المعلومات الضرورية لحماية الحياة على سطح الأرض من أشعة الشمس. 

وبعد هذا السرد الذي أظنه يمثل عبئا كبيرا على علمائنا العرب مع الاعتذار لكلمة علماء ، تظل المجتمعات العربية بمنأى عن كوكب الأرض المتسارع في علومه ومعارفه ، والحقيقة أننا نعاني من فكرة البقاء بمعزل عن السباق العلمي بحجة نقص الإمكانات ، وبفضل فضائيات وبرامج حوارية تبدو بليدة الشكل والمضمون تتناول كيف تتعامل المرأة المطلقة مع المجتمع ، وأسباب العنوسة العربية ، وهل يحق للمسلمة الزواج من غير المسلم ، ناهيك عن عشرات الساعات الفضائية الباهتة التي ترصد هوس المرأة العربية بالطهي والطعام وصولا إلى حالات السمنة المفرطة .  

إن الصين التي تعاني مثل كافة بقاع الكرة الأرضية من ويلات جائحة كورونا ما لبثت أن تتحرك صوب الدراسات المستقبلية الأكثر اتصالا بفرض هيمنتها العلمية والاقتصادية فيما بعد ، ونجحت بالفعل يوم الثلاثاء الماضي أن تحول ممكنات المستقبل إلى حقيقة واقعية يمكن رصدها ومشاهدتها ، ووسط خيبة عربية مستدامة بشعارات ريادة الأعمال واصطناع الذكاء الوهمي والمشروعات المتوسطة ومتناهية الصغر وغير ذلك من مفردات مطلع القرن العشرين ، أصبح المستقبل يمثل حلما للشعوب والحضارات التي تأمل في بقاء أطول وأقوى . 

أصبحنا اليوم في الوطن العربي أكثر تفكيرا في مستقبل مسلسل الممثل المصري محمد رمضان في رمضان المقبل أكثر من انشغالنا بتطوير كليات العلوم الأساسية من المحيط للحليج ، أصبحنا في هوس بالتنبؤ بنتائج الديربي بين قطبي الكرة بالسعودية ومصر والإمارات وتونس أكثر وأعمق من اقتناص لحظة تأمل واحدة عن ضرورة ارتداء الكمامة لإجراء وقائي أولي وبسيط لمواجهة كورونا . لازلنا حتى اليوم نجد حرجا في استخدام مفردات التعلم عن بعد والتعليم الهجين والتدريس الإلكتروني وكأننا نقوم بمهمة تهريب آثار بعيدا عن أعين رجال الشرطة.   

طبعا بالضرورة لا يمكن أن نتغافل عن المشهد الديني الأكثر اضطرابا من خلال أئمة يفتقرون إلى أدوات المعرفة الدينية ، بل هم بمعزل لا نهائي عن طروحات تجديد الخطاب الديني الذي جاء بها المجدد العظيم الإمام محمد عبده.  

كل ما سبق يدفعنا مجددا إلى التركيز على ضرورة تطوير المنظومة التعليمية في عالمنا العربي ، وأن الهدف الحقيقي والرئيس من التعليم بشتى صوره المتزامن وغير المتزامن والإلكتروني التقني هو إعمال العقل لسبر أغوار المستقبل المجهول ، والانطلاق من أساسيات المعرفة ومبادئ العلم الأولية لابتكار نظريات معرفية قابلة للتنفيذ والتحقيق لا مجرد تقديمها لطلاب الجامعات من أجل الحصوص على شهادة ورقية لا رصيد لها في ظل سوق العمل العالمي المتصارع .  

فمهمة المادة الدراسية تكمن في تكوين الشخصية المبدعة لدى الطالب التي يجب أن تتسم بعدة سمات أبرزها العقلية النقدية المبدعة. لكن هذا بالطبع قد لا يحدث في أغلب جامعاتنا العربية المهتمة بالتقييم أكثر من التقويم المعرفي والمهاري ؛ حيث يسهم الكتاب الجامعي الأوحد في هيمنة العقل، أي جعل الطلاب ذوي بعد تفكيري واحد. وإذا أردت أن تعرف سبب تصدع التعليم في بعض دول الوطن العربي فاسأل عن مصدر المعرفة لدى هؤلاء الطلاب الذي لا يخرج عن مجموعة من الصحائف التي هي في الأصل جزء من رسالة الدكتوراه الخاصة بأستاذ المادة صاحب الكاريزما الوهمية .  

وإذا كان فيروس كورونا الراهن يتحور ويتخذ أشكالاً وصوراً وألواناً وموجات، فإن الكتاب الجامعي أيضاً ينافسه في التمحور والتشكل ، بدءاً من بصورة الكتاب التقليدية، ومروراً بأشكال المذكرة، والملزمة، وكراسة المراجعة النهائية، انتهاءً بالنشرات العلمية وأوراق العمل.  

وثمة أمر ذي أهمية خاصة يدعنا نلح على ضرورة تنويع وتطوير شكل المادة العلمية ، وعدم اقتصارها على صورة الكتاب الجامعي ذي الصفحات المحدودة، ذلك هو أن العمل والأداء العلمي ذاته يقتضي وجود رؤية متسعة للمعرفة ، وخلق طبيعة جدلية تجاوزية تنطلق من أن الحقيقة العلمية لا يمكن أن يختزلها كتاب واحد، مهما كان مهماً وعميقاً. 

إن الاهتمام بالاقتصار على كتاب واحد للطلاب بالمؤسسات العلمية الأكاديمية في علم معين لهو جدير أن يخلق طلاباً ملفقين مبتذلين، ومفتقدين للتماسك المنطقي والعمق الفكري المنهجي .والتجربة الشخصية لي ولكثيرين من زملاء الدراسة والعمل الأكاديمي تبرهن على أن اقتصار الأستاذ الجامعي على كتاب واحد محدد لهو قتل لدوره النقدي التنويري الذي كان من الأحرى أن يمارسه، ولهو ـ أيضاً ـ تدمير لطاقات الطلاب المتجددة ، فكيف يوجه الطلاب أسئلة تتعلق بصفحات هي فكر الأستاذ نفسه، وبعد ذلك يتساءلون لماذا لا ننافس الجامعات العالمية المبدعة؟ . 

ولعل أدق وصف قرأته بخصوص هذا الموضوع أن الطالب والأستاذ في ظل هيمنة الكتاب الواحد يشبهان حصانين كلاهما يسيران إلى الأمام فقط ، ولا يريان الجانبين والخلف. ويا حسرتاه على طالب ساذج يصدق أستاذه حينما يؤكد له على أن هذه المذكرة هي عصارة الفكر في علم معين. 

إن خير اختتام للسطور السابقة ما أورده الكاتب المصري الدكتور حسين فوزي في كتابه الشيق الماتع ” صور من البطولات العربية والأجنبية ” الذي صدر في مايو 1992 عن بناء الأمم والحضارات ، حين قال : ” الحضارة لم تبنها العبقريات بقدر ما بنتها المساهمات المتواضعة التي قدمها أناس مجهولون ، ما زال كل منهم يضيف جهده إلى جهود الآخرين حتى ارتفع صرح الحضارة البشرية على أكتافهم شامخًا ، ومثلهم في ذلك مثل الجنود في جيش ؛ يساهم كل منهم في المعركة بشئ يسير جدا ، وتجتمع هذه الأشياء اليسيرة ليكون منها النصر العظيم” .  

نأمل أن يأتي اليوم لنؤسس مدنًا للمعرفة على أرض العرب ، وأن نتسابق في أخذ مكان حصري على القمر لا فقط من أجل الاكتشاف بل لتوطيد العلاقة الغائبة بيننا وبين العلم. 

ـ أستاذ المناهج وطرق التدريس (م). 

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر .  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: