دين

الأَوَّابُوْنَ فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ

د. بليغ حمدى إسماعيل

يقول الله (تبارك وتعالى ) في محكم التنزيل :  )اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( ، وفي موضع آخر بذات السورة يقول تعالى : )وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (. ويذكر الله ( سبحانه وتعالى ) عن إبراهيم ( عليه السلام ) بأنه أواه حليم بقوله تبارك وتعالى : ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(  .فمن هم الأوابون ؟ . يقول تعالى : )هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ( .

الأواب في المعنى الاصطلاحي يعني العائد التائب الى الله والمطيع لربه على الاستدامة دون انقطاع ، وهذا ما يفسره قوله تعالى عن نبيه ( عليه السلام ) سليمان : ) إِنَّهُ أَوَّابٌ (، ولقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أن أواباً تعني المطيع ، وفيه ثناء على سليمان ( عليه السلام ) بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله ( عز وجل )  ، أما الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فيرى كلمة أواب تعني أنه ـ سليمان ـ رجَّاع إلى طاعة الله تواب إليه مما يكره منه ، وقيل إنه عُني به أنه كثير الذكر لله والصلاة (2) .

والأواب في المعنى اللغوي لفظة من آب بمعنى رجع ، يقال : آب الرجل إلى أهله إذا رجع ، والأواب أي الراجع عن الذنوب ، وهو ما فسره يونس من قوله تعالى :  ) إِنَّهُ أَوَّابٌ ( يقول : إن داوود رجاع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه ، تواب ، والسدي وغيره يقول إن التواب هو المسبِّحُ ، وهو ما يشير إليه قول الله تعالى : )وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ( ، قال ابن جرير الطبري : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد: أي كل له مطيع ، وقال آخرون : معنى ذلك : كل ذلك لله مسبح  .

ولقد وردت كلمة أوّاب واشتقاقاتها أكثر من مرة وموضع في القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى في سورة الإسراء : )رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً( ، قال قتادة للمطيعين أهل الصلاة ، وعن ابن عباس المسبحين وفي رواية عنه المطيعين المحسنين ، وقال بعضهم هم الذين يصلون بين العشاءين، وقال آخرون هم الذين يصلون الضحى . وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله : ) فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً( قال الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون ويصيبون الذنب ثم يتوبون .

وقال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد أن الأوابون هم الراجعون إلى الخير ، وقد قال مجاهد عن عبيد بن عمير في الآية هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها ، ووافقه مجاهد في ذلك  . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان إذا رجع من سفر قال : ” آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ” .

وهناك قول في تفسير هذه الآية الكريمة التي أشارت إلى الأوابين وهو ما أورده أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره المعنون بجامع البيان عن تأويل آي القرآن ، حيث أشار الطبري إلى أن الأوابين هم التائبون بعد الهفوة فإن الله غفور لهم ، وقال حبيب بن أبي ثابت : هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤاخذ به  .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال الأواب هو التائب من الذنب ، الراجع من معصية الله إلى طاعته ، ومما يكرهه إلى ما يرضاه ، لأن الأواب إنما هو فعَّال ، من قول القائل : آب فلان من سفره إلى منزله ، أو من حال إلى حال ، كما قال عبيد بن الأبرص :

وكل ذي غيبة يئوب

وغائب الموت لا يئوب

ولقد ذكرت لفظة أواب أيضاً في موضع آخر من القرآن الكريم تحديداً في سورة ( ق ) ، يقول الله تعالى : ) وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(   . قال قتادة في تأويل الآية الكريمة : هذا الذي توعدون أيها المتقون ، أن تدخلوها وتسكنوها ، وقوله : ) لِكُلِّ أَوَّابٍ( يعني : لكل راجع من معصية الله إلى طاعته ، تائب من ذنوبه ، وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك كما يذكر الإمام الطبري في تفسيره ، فقال بعضهم هو المسبح ، وقال بعضهم هو التائب .

ويقول ابن جرير الطبري : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ،قال : سألت ابن عباس ، عن الأواب الحفيظ ، قال : حُفظ ذنوبه حتى رجع عنها (5) ، وقال آخرون : معناه : أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه . وقال قتادة : حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته .

ويذيل الإمام الطبري تعليقه بأن أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأواب بأنه حفيظ ، ولم يحصر به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع ، فالواجب أن يعم كما عم جل ثناؤه ، فيقال : هو حفيظ لكل ما قربه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلفت منه للتوبة منها والاستغفار.

ويذكر الإمام ابن قيم الجوزية (5) أن التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها ، فلا يفارقه العبد السالك ، ولا يزال فيه إلى الممات ، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته ، وحاجته إليها في البداية والنهاية ضرورية ، يقول الله تبارك وتعالى : )وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(. والتأويب مرادف للتوبة ، كما يعني التسبيح وهو ما أشار إليه الدكتور عبد الصبور مرزوق (6) ، وكلاهما يعني رجوع العبد إلى الله ، ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين ، وذلك لا يحدث إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ، ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده . ويشير الإمام ابن قيم الجوزية إلى لطائف أسرار التوبة في ثلاثة أشياء : أن ينظر الجناية التي قضاها الله عليه فيعرف مراد الله فيها ، فإن الله (تبارك وتعالى ) إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين ؛ أحدهما أن يعرف عزته في قضائه ، وبره في ستره ، وحلمه في إمهال راكبه ، وكرمه في قبول العذر منه ، وفضله في مغفرته . والثاني أن يقيم على عبده حجة عدله ، فيعاقبه على ذنبه بحجته  .

أما اللطيفة الثانية من أسرار التوبة والرجوع إلى الله تعالى ففي أن يرى التائب قبح ما نهى الله عنه ، وحسن ما أمر به ، وأنه كان مفسداً حين ركب ما نهاه الله تعالى عنه ، واللطيفة الثالثة التي أشار إليها ابن قيم الجوزية من أسرار التوبة التي يتضح فيها الحسن والقبح تقتضي رؤية الفرق بين محبة الله ورضاه ، ومشيئته وإرادته الكونية ، وعدم التسوية بينهما ، أو اعتقاد تلازمهما .

وفي معرض الحديث عن دلالة كلمة أواب في القرآن الكريم وقرابة معناها للتوبة ، حري بنا أن نشير على عجل إلى التوبة النصوح وحقيقتها ، يقول تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(  ، والنصوح على وزن فعول المعدول به عن فاعل قصداً للمبالغة ، كالشكور والصبور ، وأصل مادة ( نصح ) خلاص الشئ من الغش والشوائب الغريبة ، فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة كما يذكر الإمام ابن قيم الجوزية تخليصها من كل غش ونقص وفساد ، وإيقاعها على أكما الوجوه والنصح ضد الغش  .

وقد قال عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : ” التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع ” ، قال الحسن البصري : ” هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى ، مجمعاً على أن لا يعود فيه ” ، وقال الكلبي : ” أن يستغفر باللسان ، ويمسك بالبدن” . نسأل الله تعالى الهداية وأن يرزقنا توبة نصوحاً لا معصية بعدها والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: